Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

  الحلقة الثانية

ما بعد الليلة الأولى

  ياسين النصيّر

1

لم يكن صباحا، ذلك الذي أعقب الليلة الأولى لقصف بغداد، بل كان زمنا، لا معنى لضوئه، أو إشراقه،لا معنى لساعاته المبهمة، الضاجة، كان أشبه ما يكون بزمن سديمي لا يعرف متى ولد، وإلا أين سينتهي. ربما هو القلق الذي صنعه القصف العنيف. وفي الوقت نفسه هو القوة أيضا.

 هجوم الليلة الأولى لم تتضح معالمه بعد، كل ما بقى هو الصوت والانفجارات، وفي حسابات بسيطة، لم يحطم شيئا على مرأى البصر، ربما تركيز على منشآت معينة، لا أحد يدري ما أصاب المحافظات الأخرى. ثمت كلام في الإذاعة، ليس من أثر يذكر لما حدث، وصوت يعلن أنهم الغادرون، أحيانا ما نراه من حدث في بقع صغيرة ترى من خلاله كل العراق. وتروح لتجري حساباتك في ضوء ذلك. صباح سديمي يحل فوق مدينتي- العراق- لا معنى لضوئه، لا معنى لساعاته، كل المعاني محصورة في الأعين، المخترقة ستائر النوافذ والأبواب، وهي معلقة في سماء الطائرات ودويها، ودوي المضادات.

ليس من فطور لم يفكر أحد، بالأكل، أو الشرب، اليقظة صمت، ونحن لا نزال في بيوتنا، نفكر بألف لغة دون ما استقرار بدر إلى ذهني، إذ لابد من مواجهة وأن تطلب ذلك زمنا غير معروف، لذلك أعدت حساباتي الصغيرة لأسرتي الكبيرة، فيما لو جرى احتلال بغداد، ماذا سنفعل؟ هل نهرب، كما فعل بعض الجيران الذين انتقلوا إلى بعقوبة، والحلة،  والرمادي، بوصفها مدنا أقل خطرا من بغداد؟ أم نواجه المحتلين بوجودنا؟ أم نبقى هكذا لا حول لنا ولا قوة؟ حسابات، أقل ما فيها، أنك أصبحت تفكر لوحدك، بعدما توقف أي تفكير جماعي.

لا باس ، قلت ، من مخاطبة الجيران، والاستفسار عن أبعاد الموقف، ولكن الجيران أنفسهم يعيدون حساباتهم الخاصة أيضا. إذن ، لابد من قرار، فالتنبه إلى المجهول، يقودنا إلى مجهول آخر

قررنا أن نبقى مهما كانت الظروف، وأن نواجه إذا تطلب الأمر مواجهة، نحن الآن لا مبادئ لنا، سوى مبادئ الوطن الذي يهاجم، مهما كان نوع التبريرات التي خلقها هذا أو ذاك، البلاد تهاجم، وبعنف، والمقصود هو تحطيم الاقتصاد والجيش.. إذن ليس من موقف آخر .

 

      2

قبل نصف عام تقريبا، كنت استأجرت دكانا صغيرا، في المحلة نفسها التي أسكنها، وبدأت بعد تقاعدي المبكر من التعليم ، والعمل فيه . كنت أذهب إلى السوق يوميا وأشتري البضاعة، وأبيعها في النهار، أما في الليل فأواصل عملي كسائق تكسي- خصوصي- في غفلة من شرطة المرور. كنت أجاهد كي لا أجعل أسرتي في حاجة ماسة إلى ما يرد من كتاباتي الأدبية القليلة جدا في السنوات السابقة، بدأ المسؤولون عن الصحف والمجلات فيها يشترطونه ولو بطريقة خجلة أحيانا، علينا، نحن الأدباء الشيوعيين الكتابة عن الحرب، حتى بعدما أطلق النظام علينا تسمية" المستقلين" إذ أن كل أعضاء الحزب الشيوعي الباقين في العراق، وقعوا على وثيقة إعدامهم إذ ثبت أنهم ما زالوا يعملون كشيوعيين وكنت أحد أولئك الذين سيقوا مرات إلى الأمن والشرطة من ممثلي الحزب في المنظمات للتوقيع على مثل هذه الوثيقة لذلك حسبونا مستقلين. 

 

                            

 

 3

           صباح اليوم الثاني، وبعد ليلة عاصفة بالقصف الشديد، اتصلت تليفونيا- كانت بعض خطوط الهاتف تعمل- بصديقي الناقد فاضل ثامر، أستفسر عن وضعه ووضع أسرته، ومع الاستفسار كانت ثمت أسئلة مبهمة عما حدث في منطقتهم، اعني: بغداد الجديدة- المشتل- حي المعلمين- زيونه- شارع فلسطين. لم أعثر على أي جواب منه، إذ كان هو الآخر في البيت ينظر إلى ما لا يعرف. ليس من أجوبة حاسمة، وليس من معلومات إلا ما نسمعه من دوي، وما نشاهده من حركة لطائرات العدو المغيرة وهي تحتل سماء بغداد الندية، إذ ما زالت هناك مقاومة شرسة للطائرات من قبل المدفعية الأرضية، وما زال الجند يقظين وما زلنا لم نصب إلى ألان بأي أذى، سوى سقوط قنبلة بالقرب من المبنى، حطمت بعض زجاجه. القنبلة الصغيرة التي لم تنفجر، كانت من مقاومة الطائرات الأرضية، أخطأت هدفها فسقطت في الحي السكني، وفي بقعة ليس فيها أحد. الهزة العنيفة وحدها، ولا سيما في أول أيام الحرب، جعلتنا ننتبه أكثر إلى ما يحيط بنا من مخاطر، فالجو ملئ بالقنابل تلك التي توجه إلى الطائرات أو تلك التي تسقطها الطائرات   

 

     4

  

        أحيانا تفكر هكذا: عندما يعم الظلام المدينة، بما فيها بيتك وعينيك تشعر أن العالم كله قد وقع تحت خيمة الظلام، لكنك لا تجد فعلا ما خاصا بك. ومع ذلك تجد نفسك تتألم وتصاب بالدوار، وتعطب حواسك، ربما هي حاسة المشاركة، وربما هو الانتماء إلى الوطن الذي أصبح في محنة لم يكن يدرك حساباتها مسبقا. وربما أنك لست قادرا على استيعاب كل ما يحدث.

     إصابة العصب الكهربائي، ومن ثم الاتصالات السلكية واللاسلكية، ومنشآت النفط في الدورة، والإذاعة ، وسكك الحديد، وبعض محطات البنزين، والقصر الجمهوري، وبعض الجسور.. وهذا ما استخلصناه في اليوم الثاني من بدء الهجوم، من الناس وبعض الاتصالات التلفونية، التي قطعت لاحقا، تعني أن ما حدث إصابة مباشرة لجسدك، وبيتك، وذاكرتك، شئت ذلك أم أبيت. العالم كرة من نار متدحرجة فوق رأسك، وتحت قدميك، فإذا فقدت الاتصال بآخرين، فقدت الحوار، فقدت اللغة، وعندئذ لا مناص من العودة إلى التراث، إلى الداخل، كي تواصل وجودك. 

     كان اليوم الثاني، أشد وقعا بقصفه، وبأخباره، وبأم أعييننا كنا نرى كيف قصفت منشآت الدورة النفطية والكهربائية، وتعالى الدخان منها، ولكنه لم يستمر طويلا، قلنا أنهم اخطئوا هدفهم.

     وتجئ الليلة الثالثة، لا كهرباء، ولا ماء، إلا ما يجري من خزانات صغيرة وضعت في أعالي العمارات.. توقف ضخ المياه المركزي، وبدأت الناس تخزن المياه في القدور والأواني، إلى متى؟ فقد بدأ الناس يتلمسون ذواتهم.

 

        5  

  

               قلت في نفسي لابد من الحركة حتى لو كانت موضعية، ذهبت إلى دكاني الصغير، فتحت أقفاله، وبدأت أستطلع الأشياء الموجودة فيه. ما يوجد من مواد غذائية لا يكفي لأسرتين أو ثلاث، إذن لابد من العمل ، لابد من جلب المواد الغذائية على رغم أن الناس جهزت بيوتها بما يكفي لأشهر عدة، لكنها الحرب، وأيامها غير معروفة، وبدافع خاص، لا أدري أن كان صحيحا أو خطأ، قررت، أن أجعل الناس الذين من حولنا يشعرون أن القصف وهجوم الطائرات لن يعطل حركتهم، وتواجدهم وحتى تبادل الآراء والحوارات، لذا فتحت المحل وبدأت بالبيع فيه، وما هي إلا ساعة، حتى تدفق الناس لشراء كل موجودات المحل من بضاعة، مما يعني ، الاستمرار في إحضار المواد الغذائية للناس، وشيئا فشيئا، كان في اليوم الثالث، حركة في المنطقة، وتعود على ما يحدث، بل وأخبار تتناقل من هنا ومن هناك. وثمت ضوء خفي يمتد عبر ظلام المنطقة السكنية، ترسله شمعة أضأتها داخل دكاني الصغير، ففي الساعات التي يهدأ بها هجوم الطائرات، كنا نخرج إلى الشوارع، نتحاور، وما أن ترقد صافرات الإنذار، حتى نعود إلى بقعنا المظلمة.  

 

6

          تشعر وأنت تراقب الوضع كله، على رغم أنك لا تملك مجسات ولا إذاعة، ولا صحافة، ولا أخبار، أن القصف الشديد، على الرغم من كثافته، وهمجيته، لم ينل من شعبنا. إنما نال من المنشآت الاقتصادية، والآلة العسكرية، والجيش وطرق المواصلات.. أما ساحة المعركة الحقيقية، فلا أخبار منها أم عنها.. ترى ماذا يفعل الجيش هناك؟ 

 

7

          لا تزال سيارتي، مليئة بالبنزين، كنت ملأتها قبل ليلة من بدء الهجوم على بغداد، تحسبا لأي طارئ، ومع أن بوادر السوق السوداء لبيع البنزين بدأت، قلت لننتظر، فالأيام حبلى ثمت من يأتي إليك ليقول أن كل خمس ليترات من البنزين بـ25 دينارا، ثمت من يعطيك سعرا أقل، أو أكثر، بعدما ينبهك إلى أن البعض بدأ يمزج النفط مع البنزين، ثم جاء من أبتكر طريقة، هو أن يعبئ الغاز من قناني الغاز يمزجه مع البنزين، أو النفط وهذه الطريقة تعمل في محلات خاصة في المدينة الصناعية، وبالفعل حدثت حوادث قاتلة، عندما انفجرت إحدى القناني وقتلت المحيطين بها..     

      هنا بدأت أتحسس المسألة من جديد، مسألة إحضار القوت للناس، ولو عن طريق بيعه بسعره العادي، قررت مع أولادي، وثمت قسم ما من أفواهنا، أن لا نرفع سعرا، فلقد قرأت الكثير عن مثل هذه الظروف. إذن يمكنني الذهاب بسيارتي، إلى الشورجة، في الساعات التي يخف بها القصف، وعلى أن أتحمل ما سوف يحدث.. هكذا قررت في اليوم الرابع، أن يكون دكاننا مفتوحا حتى الساعات المتأخرة، وعلينا أن نوفر من سوق الشورجة الذي امتلأ بالبضاعة الأجنبية من كل حدب وصوب، ما يناسب حاجة الناس الآنية. وبالفعل كان هذا التصميم وحده ما جعل أصحاب الدكاكين في حرج من أمرهم، فقرروا فتح محلاتهم أيضا.

     هنا تذكرت مسرحية برشت" الأم شجاعة.." وكيف كانت تبيع وأطفالها معها، بعض حاجياتها، للجنود في جبهة القتال أثناء القصف، قلت لنفسي: نصطنع أي بطولات فارغة من هذا النوع، ولكنها الحركة، ما أن تخرج من مكانك حتى ترى قطعة أخرى من المدينة، ثم تقارن ما يحدث، فالأقوال متضاربة، ورؤية ما يحدث على الطبيعة أفضل وسيلة للحكم. وهكذا بدأت رحلتي اليومية، إلى الشورجة،  مرورا بأخطر المواقع الموصلة بين مدينة البياع والشورجة. لذا قررت أن أكون في المدينة، وفي المنطقة معا. أذهب يوميا للتسوق بعد شراء البنزين المغشوش، والعودة بالبضاعة ثانية، ضمن هذا المنطق، بدأ العمل اليومي لا ربح فيه ولا خسارة، إنما الربح هو توفير قوتا، والخسارة محتملة: أن تقتل وأنت تقود سيارتك، في المدينة، المطر والقصف- وحدث بالفعل ما كنت أخشاه.

 

8

     الأيام الثلاثة الماضية، كانت مجسا متأرجحا بين الكلام الذي سمعناه من قادة البلاد وبين ما نراه أمامنا.. في اليوم الثالث، للقصف، ثمت وهن في مقاومة الطائرات، بل ثمت قلة القذائف التي تطلق على الطائرات المغيرة، في اليوم الثالث، بدأت ملامح الطائرات المغيرة تشاهد بأم العين، وتشخص من أعلامها، وبدأ الطيارون يتجولون في سماء المدينة، وثمت قصف وضرب وأصوات.. هنا، بدأ الناس يتآلفون مع الواقع الجديد، ثمت قناعة تسربت إلى النفوس، إننا قد أخذنا، بغفلة، أو بوعي، لا ندري، نحن هنا لا نعرف الأسباب، بل؟ النتائج. وبغفلة مما يحدث بدأت حركة الناس تزداد. في المناطق، مناطق الضواحي من بغداد. ثمت حركة للسير، للمركبات وللمشاة. لا تزال في المدينة روح حية، وهناك من يسال ويستفسر، ولكن أين اختفى أولئك الرجال المسلحون الذين كانوا يطوفون الشوارع والأزقة قبل بدء الهجوم   طالبين من الرجال التجنيد ضمن صفوف الجيش الشعبي. لا أحد منهم، هل هم في " الواجب" كما يقال، أما أنهم هربوا بأسرهم إلى محافظات أكثر أمانا، بعدما أفلت الوضع من أيديهم. وبدأ همس ما يعلو من خلال الأسئلة، ثمت من يقول أن الكثير منهم، يحتفظ بهويات خاصة، تمكنه وأسرته من اللجوء إلى ملاجئ معينه، آمنة حفاظا على أرواحهم، وأملا في أن يكونوا في المراحل اللاحقة للمأساة، وأن هذه الملاجئ محصنة، وممونة بمؤن تكفي لآلاف الناس، ولأوقات طويلة. ولا أكتم أحدا، أن مثل هذا الأمر وقع بالفعل، فقد قال لي أحدهم، وهو يريني هويته الخاصة، نحن من أبناء تكريت- لدينا هويات خاصة ندخل وأسرنا ملاجئ خاصة، وبالفعل اختفى هذا الشخص وأسرته لأكثر من أسبوعين ليعود بعدئذ إلى المنطقة خجلا مما فعل، محسسا الناس أنه كان في الجبهة ومع ذلك لا تكبر مثل هذه الأسئلة الآن، فالحرب تولد المفترقات.

 

9

    ثلاثة أيام كافية لأن نكتشف الكثير.. الكثير الناس، الشوارع، البيوت، الزمن، القوة، الضعف، نحن، الآخر، العمل.. الخ، ولأنك لست قادرا على صياغة موقف متكامل من كل ما يجري، تقرر مع نفسك، ولوحدك، وبهدوء أن تكون متماسكا إلى الحد الذي لا يفقدك توازنك.. في الأيام الثلاثة تشعر أن مدفعيتنا المقاومة لم تهن، وأن بدأت بالتناقص، كما قلت قبل قليل، القوة الأرضية لا تزال فاعلة، والطيران المعادي، يقترب ويبتعد، وفي الصباح المبكر، قصفت منشآت الدورة ثانية، وفي هذه المرة، أطيح بالبرج الأوسط وعلا الدخان سماء بغداد كلها، مما يعني أننا لن نرى حركة الطائرات ثانية، لكنه الجيش العراقي المعروف، الذي تماسكت أجزاؤه من الشمال إلى الجنوب. الكل في دوامة المواجهة، ثالث ليال، لا أخبار، غير ما تبثه الإذاعة العراقية بعدما تعطل البث التلفزيوني، ويبدو أنها تبث من مكان سري، ثمت أناشيد وتعليقات، وخطب، ومارشات ولا شيء نافع مما نسمع.

      في اليوم الثالث، تحس أن بغداد توزعت أو بدت مناطق منها نشطة في مقاومة الطائرات، بينما مناطق أخرى بدأت تضعف. الآن ينحصر النشاط في معسكر الرشيد وضواحيه، وفي منطقة أبي غريب، وفي الرضوانية، وفي مناطق خلف مدينة الشرطة الخامسة، وهناك من بعيد، ترى مناطق أكثر نشاطا.. لم تكن هناك بوادر استمرار ولكن في الوقت نفسه ليس من عزيمة تقل أو تهون. وفي مساء هذا اليوم، فتح أبو سالم مقهاه الصغير، المقهى الذي كان يؤمه الجند  والحرس، وبعض الصبية، مقهى صغير، يقع وسط الحي، وعلى ضوء الشموع، بدأت أصوات حركة الشاي تسمع من بعيد، وثمت صوت حزين ينبعث من مسجل جلبه معه، كي يسري به عن نفسه، مسجل يعمل بالبطاريات هو كل ما يوصله بالعالم، وما أن يسمع خبرا ما حتى يهرع ألينا به 

 

10

 

          شعرت بالندم لأنني لم أستطع إقناع والدتي ترك بيتها الصغير في مدينة القرنة، المقابلة لحقول مجنون النفطية، فقد قررت البقاء في البيت، مواصلة سيرة ابتدأتها ووالدي خلال الحرب العراقية- الإيرانية، حيث بقيا لوحدهما في القرية بعدما هاجر أهلها جميعهم، عندما تحولت القرية وبساتينها ساحة معركة مع الإيرانيين الذين احتلوا حقل مجنون.. وبالفعل فقد قصفت بيوتا عدة، ذهب ضحيتها أحد أقربائي ولم يقصف بيتنا الصغير، وبعد وفاة والدي، عام 1999 بقيت حارسة في " حقل الجويدار" تحرس أشياء البيت وذكرى الأب، والفراغ، ولما حاولت إقناعها بالمجيء إلى بغداد قالت " الموت موت وين ما رحت" وتعني أن المنية تدرك أينما رحلت. قلت هو البيت الذي يشد أهله إلى الأرض.. ماذا تفعل امرأة في الخامسة والستين في الرحيل.. وكانا خلال الحرب الإيرانية-العراقية، يضيئان بيتهما بمصباح نفطي صغير، ويطبخان الرز عل جنديا ذاهبا للالتحاق بالجبهة، أو عائدا، ينزل في ضيافتهما، فقد أصبح بيتهما علامة دالة على الطريق المؤدية إلى المواجهة..

      والدتي الآن لوحدها، قيل لي، أو هكذا تصورت أنها ستلجأ إلى أختها التي قتل زوجها خلال القصف، لكن مازن العائد من الكويت بعدما انسحب الجيش العراقي مر بها، فوجدها واقفة في باب الدار، وعيناها باتجاه المجهول.. وكأنها كانت تنتظر أحدنا..

     قال: لقد نجت جدتي من موت محتم، عندما كانت في سيارة أجره وهي ذاهبة إلى مدينة القرنة، فقصفت السيارة، مات من فيها إلا هي، أو كانت من القلة الناجين.. وعندما التقيت بها بعد انتهاء الهجوم، وقمع الانتفاضة، كان خوفها شديدا على بغداد، فالأخبار من مدن الجنوب أكثر صلة بالعالم منا، إذاعات لإيران تبث باللغة العربية، تنقل يوميا ما يحدث من قصف، وإذاعات كويتية، وخليجية، وعربية أخرى، تصف ما يحل بالعراق وكانت تصور بغداد رمادا. أم، وأبن، وأبناء لأبنها الوحيد موزعين على قرى العراق ومدنه. لقد بقيت الأم إلى الوقت الحاضر متشبثة بتلك البقعة القروية، ولم توص إلا بدفنها في تربة النجف.

 

11

     لليوم الثالث ، الأخبار عن مواجهة عسكرية ميدانية على الساحة الكويتية مع أمريكا وحلفائها، لليوم الثالث، وخيرة القطعات معطلة ، أو هكذا تخيلنا الأمر، وثمت خبر بدأ يتسرب إلى الشارع وأفواه الناس، من أن انسحابا للجيش العراقي سيبدأ.. ما جدوى وجود قطعات عسكرية إذا لم تكن هناك حرب، وبذلك قد أفرغ غزو الكويت من محتواه السياسي كله. وبدت خيوط للعبة دموية تجري أحداثها.. ولما تراكمت الأسئلة التي لا نملك إجابات عنها، بدأنا نفكر، بطريقة أكثر حذرا. وهكذا بقينا مشدودين إلى ما يحدث في الجو، طائرات مغيرة ومدفعية مضادة، الأرض بمواجهة السماء، السماء بمواجهة الأرض، أما البشر، المصانع، الجسور، المرافق، المياه، الكهرباء، الاتصالات، فكلها في حكم قدر موهوم- وواقعي، وثمت أخبار يتناقلها القادمون سيرا من المدن القريبة عن قصف المدنيين، وعن موتى بالمئات وعن جند لا يستطيعون عمل أي شيء.

               كانت الليلة الثالثة، أكثر عنفا من سابقاتها، فلقد شعر الأمريكيون بتفوقهم الجوي  وبدأنا نتحسس ، بوضوح، تباطؤ الآلة العسكرية العراقية ، بعد غياب أمني في البلد. ثمت سرقات، وثمت اعتداءات، وثمت اختفاء مقصود، وبدأت السنة النار في الكلام، الذي ينال هذه الظاهرة أو تلك، كلام ما كان مسموحا به قبل اليوم.وللمرة الأولى ينهض ذلك الهاجس الخفي لدى الناس، بالرفض لما يجري، وإلقاء اللوم على القيادة العراقية، داخلية وخارجية، وكان هاجس الناس الحقيقي ، أنهم في حاجة إلى راحة، ومراجعة حقيقة للوضع ككل بعد حرب ثماني سنوات، لم يبق العراق والمنطقة على وضع معين. والغريب في الأمر إن مصادر هذه الأحاديث، بعض رجالات السلطة أنفسهم، لا أدري هل تحسب كخط مراجعة ذاتية، أم هو ردة فعل واضح على ما آل إليه المجتمع العراقي من تفكك وانهيار.

12

 

    صباح اليوم الرابع بدأت حركة الشارع، تزداد، على الرغم من القصف وهجوم الطائرات المستمر.قررت الذهاب إلى الشورجة، عمق بغداد الذي ترى فيه كل ما لا تستطيع رؤيته. وقراري، مبني هذه المرة على مبدأين: رؤية ما حدث بالفعل في المدينة من تدمير وخراب وقصف، وحاجة الناس في المنطقة إلى مواد غذائية، وهي فرصة،لأن تزيح عن نفسك رغبة، نمت في اليومين، وهي الخروج من بغداد ليلا والعودة إليها نهاراً. كما يفعل عدد من الناس..ولما كان مثل هذا الأمر مستحيلاً، لعدم وجود أي أقرباء لنا في محيط بغداد، قطعت الأمل نهائيا ، وقررنا للمرة الثانية البقاء مهما كانت الظروف. وهكذا ذهبت إلى الشورجة..وهناك بدأت فصول الحياة اليومية للحرب تتضح، ليس في الجو والساحة العسكرية، إنما في الحياة المعيشية للناس، وفي المضاربات الاقتصادية، وفي الوجوه التي لم ترها، مثلما تراها اليوم، وهي في حال من تداخل المواقف والآراء والحاجات، فكما إن الشورجة سوق للبضائع، كانت سوقا للألسنة وللأقاويل، والتبدلات والمخاوف، واختلاط الممنوعات ، واصطناع الزيف والغش، والانهيارات النفسية والاجتماعية.