Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

شخصيات عراقية ..تتضمن هذه الصفحة سيرة مبسطة عن حياة كل شخصية عراقية لها ثقلها الثقافي أو السياسي في الحياة العراقية ..وهو اقل ما يمكن  ان نقدمة لهؤلاء المبدعين ولنتاجهم الاصيل 

 أدباء عراقيون

الناقد فاضل ثامر

        

يعد الناقد فاضل ثامر مواليد 1938 في مدينة الكوت أحد الذين ظهروا ضمن موجة التحديث النقدي في العراق. تلك الموجة التي بدات أول ما بدأت في السجون العراقية، حيث كانت تعقد الحلقات الدراسية والنقدية لقراءة النتاج الثقافي للسجناء. ثم توسعت لاحقا لتصبح تيارا تحديثيا في عموم العراق. فقد ظهر هذا الجيل من النقاد العراقيين في فترة لم يكن النقد فيها متداولا خارج المقالة الصحفية التعريفية بالكتاب أو بالنشاط الفني التي كانت تكتفي بالتعريف وعرض عنوانات القصص أو القصائد. وما عدا الدكتور علي جواد الطاهر الذي بدا في أواسط التسينات ناقدا له حضوره الواضح، لم يكن هناك مقال نقدي بالمعنى المتعارف عليه أكاديميا. تخرج الناقد فاضل في جامعة بغداد فرع اللغة الانكليزية فامتلك  قدرة  على قراءة النتاج الثقافي العربي قراءة متأنية مقارنة..

بدا الكتابة النقدية وهو في سجن نقرة السلمان،وكان يرسل مقالاته إلى مجلة الآداب ، ثم في سجن الحلة لما يمتلكه هذا السجن من فسحة لحرية القراءة والإتصال بالثقافة من خلال رشوة الحراس الذين يهربون الكتب والمجلات إلى السجناء السياسيين إلى الحد الذي تجمعت لديهم مكتبة متنوعة بالادبين العربي والإنكليزي. وبعد أن خرج من السجن عام 1964كما أعتقد وجد المناخ الأدبي أمامه مفتوحا كي يواصل نشاطه ودأبه الذي عرف به لاحقا.. ثم بدأ رحلة الكتابة في الصحافة العراقية أثر الإنفراج السياسي في هذه الفترة ، فأتيحت الفرصة لعدد من الأدباء أن ينشطوا في ميدان الكتابة والصحافة والنقد، وأن يواصلوا نشاطهم ودورهم الثقافي. فبدات رحلة الناقد فاضل ثامر في متابعة الكتب الجديدة، خاصة كتب الشعر والقصة. وهو الأمر الذي جعله محط أنظار الكتاب حيث كانت مقالاته النقدية تجمع بين التحليل وعمق الثقافة ودقة التشخيص النظري والفكري.

 تعرفت على الناقد فاضل ثامر في مهرجان السياب وكان ذلك عام 1970 في البصرة، ومن هناك انعقدت بيننا صداقة نقدية واسرية ما تزال قائمة إلى اليوم. وفيه وجدت أخا وصديقا وناقدا ومفكرا قلما نجده في ثقافة اخرى. وبعد انتقالي إلى بغداد في العام نفسه عملنا معا في القسم الثقافي لمجلة الثقافة الجديدة، التي افتتحت مكتبا لها في الباب الشرقي، وبعدها في جريدة طريق الشعب ليتوج عملنا المشترك باصدار كتاب " قصص عراقية معاصرة عام 1971" عالجنا فيه ظاهرة قصة الستينات من خلال ست عشرة قصة قصيرة، ودراستين نقديتين..

 

 والملاحظ المنهجية لتلك المرحلة، أعني منتصف الستينات وبداية السبعينات، تدفعنا إلى رصد ظاهرة لم يعالجها النقد الاجتماعي بعد تلك هي أن معظم الادباء الذين كانوا في السجون العراقية خلال الفترات الماضية أو الذين خرجوا منها مبكرين او المختفين منهم، بدأوا بالكتابة الإبداعية فكان البعض منهم يريد من النقاد الذين ظهروا في هذه الفترة أن يكونوا شاهدين على ما في نصوصهم من فكر تقدمي يحمل الشعلة الإنسانية التي دخلوا من أجلها السجون. لاعتقاد ساد أن الكثير من المثقفين الذين سجنوا وعذبوا تنكروا لقيمهم الفكرية والجمالية. من هنا بدأ النقد الأدبي  يلعب دورا مهما في مواصلة القيم الثورية والجمالية التي كانت سائدة في الخمسينات  وما تزال مؤثرة في القراء وفي الثقافة  وهي نقطة مهمة وجدنا أثرها واضحا بعد نكسة حزيران حيث أن مفاهيم لا منتمية سادة نتاج بعض أدباء تلك الفترة.

ضمن هذا المناخ التنويري- الفكري بدأ الناقد فاضل ثامر وعدد من النقاد اليساريين دورهم في معالجة النصوص الشعرية والسردية للكشف عن أليات النص الفنية والفكرية التقدمية. ومن يقرا كتبنا في تلك الفترة يجد التأكيد على البناء الفكري والايديولوجي للنص كثيمة نقدية كبرى. فوجد  الكثير من الكتاب في الناقد فاضل ثامروفي كتابات غيره رأيا نقديا ناضجا يعالج ليس الكتاب فقط، بل تاريخ الكاتب ورؤيته ومنهجيته وامواقفه الوطنية والعلاقة بين الثقافة وحركة المجتمع..

        

يعود بعد كتابنا المشترك "قصص عراقية معاصرة" ثانية ليصدر كتابا نقديا مهما هو "معالم في الطريق"  وهو جهد نقدي كبير جمع فيه دراساته عن الشعر والقصة والرواية. ووضع كل كتاباته التي شملت دراسة رواد الشعر العربي: البياتي وصلاح عبد الصبور والفيتوري وغيرهم. ويوحي عنوان الكتاب " معالم في الطريق" بثيمة مفهومية طالما تعامل بها النقد العراقي تتلخص في هيمنة مفردة العنوانات الدالة. فالناقد عبد الجبار عباس يصدر قبل ذلك كتابا اسماه " مرايا على الطريق" وهو كتاب نقدي مهم. ويصدر الناقد فاضل ثامركتابه " معالم في الطريق" فنجد أن المعالم مرايا، والمرايا معالم. ولكنهما مختلفتان وكلتا المفردتين عبارة دالة على وضع مرآة اجتماعية، نقدية، سياسية، فنية عاكسة أمام النتاج الأدبي أو أمام القارئ ، فعبد الجبار عباس يضع مرآة على الطريق ليكشف بها النتاج الثقافي وهي رؤية شخصية للناقد، بينما يضع فاضل ثامر النص الإبداعي معلما على الطريق ليكشف عن دوره الإجتماعي والفني.. وهذه المرآة النقدية العاكسة هي نتيجة لتأثيرات الواقعية الاشتراكية في النقد العراقي التي تنادي بأن الأدب انعكاس للواقع. وأن دور الأدب دور مزدوج مرة يعكس ما في الواقع ومرة يصور للجيال اللاحقة ما حدث في الواقع.

في عام 1990 يصدر كتبا نقديا مهما آخر يجمع فيه مقالاته التي كتبها خلال عشر سنوات أسماه" الصوت الآخر" ويعني به المدارس النقدية الحديثة الغربية. وهي عنده صوت أخر يمكن أن يدخل الصوت النقدي العربي بطريقة منهجية دون أن يكون هناك نقل عادي له او استعارة أو تعاليا من قبل هذا الآخر. وهذه النقطة بالذات تشكل منحى نقديا مهما في مسيرة النقد العراقي هو قبول الآخر كما لو كان تراثا إنسانيا في حين أن التطبيق العملي لهذا الصوت على مفردات نصية محلية لا نجد له حضورا مهما في أي تحليل ويبقى السؤال الذي لم يجب عنه الناقد هو ما قيمة المبادئ النظرية إذا لم نجد لها تطبيقات؟ والمسألة هذه قد تبعدنا كثيرا عن رؤية النتاج المحلي بعين ناقد غير محلق في نصوص الناقد الآخر. وكان المعبر عن الصوت الآخر  في راي فاضل ثامر هو الناقد باختين ومن خلال ثيمة المنهج الحواري أو تعدد الأصوات الذي تعامل به مع ديسيفسكي في تحليل رواياته. ولم يقف فاضل عند باختين وإن كانت كل مقالاته تتأثر به تحليلا وعرضا فقد قدم شرحا مفصلا لمدارس النقد الحديثة اسهمت في بلورة  رؤية منهجية له تعتمد على اخضاع النص الأدبي إلى مطلقات فكرية قد لا تكون موجودة في النص ولا في المجتمع. وتعد نقلته هذه واحدة من مهمات تحديث الوعي النقدي لدى القارئ التي شكلت مهمة من مهمات المثاقفة الفكرية بين تيارات نقدية وفكرية عالمية يمكن أن تجد لها صدى في النصوص المحلية.

كان الناقد فاضل ثامر في العراق نموذجا للمثقف المتوازن بين اطلاع على النتاج العربي النقدي وعلى نتاج النقد الغربي وكان يحلم بأن يواصل نشاطه النقدي في العراق.  لكن فترة ما بعد الحرب الثانية، دفعت الكثيرين من المثقفين للهجرة خارج العراق طلبا للعمل ونشدانا للحرية.  وها هو منذ ست سنوات يعيش في ليبيا مدرسا في أحدى جامعاتها كغيره من مثقفي العراق. وفي ليبيا أكمل دراسة الماجستير باللغة الإنكليزية ليواصل تدريسه في الجامعة. لكنه وجد بعد هذه الرحلة فائضا عن العمل فألغي عقده في الجامعة وها هو يبحث عن ماوى جديد له.

في إطار المعاينة الفكرية للنقد العراقي لم نجد اليوم في الساحة الثقافية ناقدا بحجم فاضل ثامر أو علي عباس علوان أو عبد الإله أحمد أو شجاع العاني أو علي جعفر العلاق أو عبد الرضا علي أو ياسين النصير او صالح هويدي أو الدكتور جميل نصيف وعشرات من المبدعين العراقيين. فالبلد الذي فرط بإدبائه ومثقفيه على حساب حفنة جاهلة من أميي الثقافة ومسؤوليها، بحاجة إلى تغيير جذري في بنية العقل الثقافي. ولن يتم مثل هذا التغيير إذا كان هناك من يتعامل مع المثقفين كما لو أنهم عمال في سوق النخاسة الثقافية. من هنا يشكل هجرة هذه النخبة الوطنية المهمة خارج العراق صدمة حقيقية لضياع الحوار الثقافي الذي يقوده نقاد البلد ومثقفوه ويؤسس لفهم قاصر لدور الثقافة في التغيير الجذري. ولكن لا حياة لمن تنادي بعد أن أمعن جهلة الثقافة ومسؤوليها في العراق في تغريب المثقف عن وطنه وبيته وفكره ولغته وموضوعاته وقرائه.